أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

158

العقد الفريد

أيها الناس ، إنّ عبد الملك بن مروان قتل لطيم الشيطان كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » . مقتل مصعب بن الزبير فلما استقرّت البيعة لعبد الملك بن مروان أراد الخروج إلى مصعب بن الزبير ، فجعل يستنفر أهل الشام فيبطئون عليه ، فقال له الحجاج بن يوسف : سلّطني عليهم ، فو اللّه لأخرجنّهم معك ! قال له : قد سلطتك عليهم . فكان الحجاج لا يمرّ على باب رجل من أهل الشام قد تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره . فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا . وسار عبد الملك حتى دنا من العراق ، وخرج مصعب بأهل البصرة والكوفة ، فالتقوا بين الشام والعراق ؛ وقد كان عبد الملك كتب كتبا إلى رجال من وجوه أهل العراق يدعوهم فيها إلى نفسه ويجعل لهم الأموال ، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر بمثل ذلك ، على أن يخذلوا مصعبا إذا التقوا ؛ فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب : إنّ عبد الملك قد كتب إليّ هذا الكتاب ، وقد كتب إلى أصحابي بمثل ذلك ، فادعهم الساعة فاضرب أعناقهم . قال : ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي أمرهم . قال : فأخرى . . . قال : ما هي ؟ قال : احبسهم حتى يستبين لك ذلك . قال : ما كنت لأفعل . قال : فعليك السلام ، واللّه لا تراني بعد في مجلسك هذا أبدا . وقد كان قال له : دعني أدعو أهل الكوفة بما شرطه اللّه . فقال : لا واللّه ، قتلتهم أمس وأستنصر بهم اليوم . قال : فما هو إلا أن التقوا فحوّلوا وجوههم وصاروا إلى عبد الملك ؛ وبقي مصعب في شرذمة قليلة ، فجاءه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان - وكان مع مصعب - فقال : أين الناس أيها الأمير ؟ فقال : قد غدرتم يا أهل العراق . فرفع عبيد اللّه السيف ليضرب مصعبا ، فبدره مصعب فضربه بالسيف على البيضة « 2 » ، فنشب السيف في

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 129 . ( 2 ) البيضة : الخوذة .